إنّ العلاقة بين البعد التنشيطي والبعد التعليمي علاقة تفاعلية متكاملة تحكمها آليّة التواصل وتتأسس على مبادئ بيداغوجية منتجةلعدّة خيارات سلوكية تربط الصلة بالآخر وترسي قناة للتبادل الإيجابي بين جميع الأطراف المعنية بذلك.


قبل الخوض في هذه المسألة تجدر الإشارة إلى السلوكات السائدة في الأوساط المدرسية والتي تتعامل مع حصص التنشيط الثقافي بطريقةإيجابية تمنح التلاميذ حرية أكثر في التعبير وفي النشاط والحركية عكس ما يمكن أن توفّره لحصص التدريس الرسمية التي تخضع إلى شيء من الصرامة والحزم والرتابة.


في هذا الإطار سأحاول أن أنزّل بعض الأفكار مستشعرا بذلك التفاوت الملحوظ في السلوك بين النادي وحصة التدريس وما له من تأثير على المسار التربوي داخل مؤسساتنا في إطار التعامل مع البرامج الرسمية.

ما من شكّ أن النشاط في النوادي له خاصياته التي تميّزه عن النشاط خلال حصص التدريس العادية. يبدو ذلك من خلال الجمهور الذي يستقطبه ومن خلال الوسائل الموظّفة ومن خلال الاختيارات التعلّمية والعلاقة التحرّرية التي تفرضها طبيعة الأنشطة. وهي مؤشّرات لأسباب النجاح الذي تحقّقه، لما تفيده من ميزات وإيجابيات أبرزت فضائلها مختلف المدارس البيداخوجية الحديثة من بنائية وبنائية اجتماعية وغيرها. يتنزّل هذا الاختيار في إطار بيداغوجيا الإدماج التي أفضت في تجاربنا السابقة إلى إرساء قواعد التعلّمات الاختيارية والتي فرضت التعامل مع بيداغوجيا المشروع كخيار استراتيجي لتفعيل الدورالهام الذي تقوم به هذه التعلّمات داخل مؤسّساتنا... ما من شكّ أيضا في أن الأنشطةخلال الحصص العادية، رغم بعض الاختلافات الجزئية في حاجة لأن تكتسي بهذا البعدالتربوي الذي يضمن لها النجاعةالمطلوبة...


إذ أن بعض المربين لا يكيّفون اختياراتهم البيداغوجية على ضوء النجاعة المستهدفة وإنما على ضوء الضغوطات المادّية التي تفرضها هذه الحصص من حيث العدد ومن حيث الجمهور اللاّمتجانس ومن حيث الوسائل، إضافةإلى السلوكات الموروثة تجاه الفعل التربوي على أسس تقليدية تجعل العلاقة تميل إلى الطابع السلطوي... نحن نسعى إلى جعل المتعلّم شريكا حقيقيّا في الفعل التعلّمي ومسؤولا على اختياراته وواعيا بتمشّياته العرفانية بما يضمن دوام المكاسب وإعطائهاالمعنى والدلالة. ففي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أهميةالطرق الموظّفة في تفعيل دور المتعلّمين لبلوغ أهدافنا التربوية التي رسمهاالنظام الجديد بإشارة صريحة إلى بيداغوجيا الإدماج كخيار
استراتيجي.وهو ما أشارإليه الفصل 48 " تؤمن المدرسة تكوين المتعلمين تكوينا متينا ومتوازنا ومتعدد الأبعاد وتساعدهم على امتلاك المعارف واكتسابالكفايات..."بحيث يكون من الطبيعي استهداف الأبعاد المختلفة في الفعل التربوي وذلك بتعديل اختياراتنا البيداغوجية والتغيير في طرق تدريسنا بما يدعم الأسس التي بني عليها النظام التربوي الجديد.

أريد من وراء هذا التقديم الإشارة إلى طريقة التنشيط في النوادي وطريقة التنشيط في الحصص العادية ومن ذلك البحث عن السبل الكفيلة بإتباع الطرق التي من شانها أن تفعّل من دور المتعلّمين وأن تحقق الدلالة والاندماج، والبحث في الأسباب التي جعلت حصص التنشيط الثقافي تحظى باهتمام خاص من طرف التلاميذ وتفضي إلى تطوير آدائهم وتكسبهم قدرات جديدة... لماذا ينخرط التلميذبطريقةتلقائية في النادي ولماذا يكون في الحصّة العادية أقل انخراطا؟

لماذا يتحسّس التلميذ إنتاجه في النادي ويعي باختياراته ويبني مواقفه ويكون في الحصص العاديةمشدودا للمعرفة الذي يقدّمها الأستاذ فحسب؟ لماذا
يعير التلميذأهميّة إلى التعلّم في النادي ولا يعير نفس الأهميّة إلى التعلّم في الحصص العادية؟جملة من الأسئلة تقودنا إلى إثارة الخصوصيّة التعلّمية في النوادي وما يقابلها خلال الحصّة العادية. وللإجابة عنها لا بدّ من البحث في الظروف المحيطةبالفعل التربوي في الحالتين. لا شكّ في أن الظروف المحيطة بالتعلّم الأوّل هي نفس الظروف التي تشجّع على توفيرها بيداغوجيا الإدماج، من ترغيب في التعلّم بإكسابه الدلالة المناسبة، ودفع إلى البحث والاستكشاف بإثارة التعلّم، وانخراط في جدليةالفعل والإنتاج بفتح الإمكانيات على موارد متنوّعة، وإرساء جوّ من التبادل في إطارجدليّة الإثبات التي تعطي للتلميذ الحق في إثبات ذاته من خلال الآخر.

سعينا في تدريس التربية التشكيلية إلى تحقيق الأبعاد التربوية من خلال اختيارات نوعية استهدفت بالأساس النشاط الذي يضمن التعلّم الذاتي ويساعد التلميذ على اكتشاف المعلومات وبنائها من جديد وهي نفس الاختيارات التي تفضّلها النظريات البيداغوجية ذات المنحى الإدماجي... .

فالوضعيةالمشكل التي ظهرت مع الرياضيات والفيزياء كمواد تميّزت بالمسائل، تطوّرت لتصبح الوضعيّة المفضّلة لدى المربين في كلّ المواد تقريبا، واعتمدت في التربية التشكيليةبصفة خاصّة لما تفيده من ميزات بيداغوجية تجعل التلاميذ في الوضعية المناسبةللإنتاج الفكري وتنمي لديهم القدرة على حلّ المسائل وتطوير آليات البحث والاستنفاربما ينتج لديهم معنى للتعلّم ويمنحه الدوام والثبات. إنّ علوم التربية الحديثةأقرّت بفضيلة الوضعية المشكل لما تفيده من خصوصيات ذات صلة متينة بالبيداغوجيا البنائيةوالبنائية الاجتماعية، وما تفرزه من سلوكيات تدعم البعد الاجتماعي وتؤسس لديناميكيةتساعد على التواصل الإيجابي وتضمن الشروط الكفيلة لترسيخ المكتسبات بحكم ما تعمل عليه من إغراءات نفسية وسيكولوجية تلقي بالمتعلم في مجال البحث والاستكشاف وتدعوه لإنجاز ذاتي يقوم على يقظة الفكر وحسن الأداء.

منذالتسعينات دأبت المادّة على تعليم التلاميذ من خلال حلّ المسائل التشكيلية كالبحث في العلاقات التشكيلية بين الشكل والخلفية والملء والفراغ والتباينات اللونيةوالرسم واللون...إلخ. وهي اختيارات لم تكن آنذاك في تناغم مع البرامج القديمة بحكم المرجعية البيداغوجية التي نشأت في ضوئها، إلا أن البرامج الحالية أوجدت لدى الأساتذة الأرضية المناسبة لممارسة هذه الاختيارات عملا بمبدأ الإدماج. إنّ التحوّلات التي شهدتها المادّة منذ كانت تسمّى التصويرإلى أن أصبحت تسمّى التربيةالتشكيلية لها دلالة من حيث موضوع التعلّم الذي تفيده ومن ذلك لم يعد لتقنيات الإنتاج التشكيلي معنى خارج السياق الفكري الذي تنشأ فيه... وهو ما يحيلنا إلى الحقل المعاصر وما تميّز به من إثارة ومساءلة تجاه الفعل التشكيلي، الأمر الذي يسّرلدينا استيضاح المسالك التي تقود إلى بناء المسألة. التربية التشكيلية هي تربية على مساءلة المكوّنات المادّية للعمل الفنّي والدلالات التي تحيط بالفعل التشكيلي من زوايا متعدّدة، ولا يصحّ ذلك إلا من خلال تدريب التلاميذ على مقاربة المادّة من هذه الزوايا. هذا الاختيار ساهم بدور كبير في إحداث تناغم بين حصص التنشيط وحصص التدريس ورفع الحاجز الذي كان يعوق الأستاذعلى ممارسة بيداغوجيا الإدماج التي يعتمدها في تنشيط النوادي. العلاقة بين التنشيط والتدريس علاقة جدلية لا تستقيم إحداها إلا بماتوفّره الأخرى من مناخ للتعايش والتناغم، فالتنشيط هو جزء لا يتجزأ من عمليّةالتدريس، يرتبطان ارتباطا منهجيا في عنصر مشترك نسمّيه اصطلاحا الطريقة. فطريقةالتدريس لا يمكن أن تكون ناجعة إلا إذا توفّرت لها أسباب النشاط والحركيّة وطريقةالتنشيط لا تحقق النجاعة التربوية إلا إذا كانت في خدمة التدريس والتعلّم. ولهذايكون من الطبيعي أن نؤسس طرائقنا على مبدأ النجاعة، التي لاتتحقّق خارج مناخ من الحرّية والديمقراطية والتفاعل والتواصل الإيجابي وهو ما تضمنه حاليا حصص التنشيط بنسبة ما تكون أفضل في ضوء مخطّط واضح لمشاريع التعلّم التي نهدفإلى تطويرها مع التلاميذ بما يتناغم والتوجّهات المعاصرة في السجلّ الفنّي وبهذانضمن التناغم بين حصص التدريس وحصص التنشيط.




التربية بين التنشيط والتدريس - نجيب عبان

0 commentaires :

إرسال تعليق

تذكر قوله تعالى:
(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏
-----------------------------------

----------------------------------
آرائكم تسعدنا, لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامي

تصميم وتطوير عالم المهووسين