الفارقية: بيداغوجيا تدبير الفوارق الفردية


ذ. مصطفى بتي* إطار تربوي*


لا وجود لمتعلمين اثنين يمكن أن يتقدما في اكتساب التعلمات بالوتيرة نفسها؛
لا وجود لمتعلمين اثنين لهما الاستعداد نفسه للتعلم وفي وقت واحد؛
لا وجود لمتعلمين اثنين يستعملان دوما التقنيات نفسها في تدبير التعلمات؛
لا وجود لمتعلمين اثنين يتوفران على مرجعيات نفسها للتصرفات؛
لا وجود لمتعلمين اثنين لهما نفس ملمح الاهتمامات على الدوام؛
ولا وجود لمتعلمين اثنين تحفزهما الأهداف نفسها.

("مسلمات بورنس" "Les postulats de Burns")

تشير الفوارق الفردية إلى مجموع الخصائص والصفات والسمات التي يتميز بها كل إنسان عن غيره، والتي تشمل النواحي الجسمية والعقلية والاجتماعية والوجدانية. وهي ظاهرة طبيعية، لازمت الإنسان منذ نشأته، حيث يكاد يكون من المحال وجود شبيهين في كل شيء. وهذه حقيقة ساهمت بلا شك في إعطاء معنى للحياة، وتحقيق حالة التوازن والتكامل المنشودة بين الأفراد، وذلك من خلال تحديد وظائف وأدوار كل واحد في تحقيق المصالح المشتركة للجماعة التي ينتمي إليها.
وتتعدد مظاهر الفوارق الفردية بين المتعلمين، والتي ينتج عنها تباين واضح في مستويات إقبالهم وتفاعلهم مع أنشطة التعلم المختلفة، وتمس هذه الفوارق جوانب متعددة منها: الخصائص والسمات الفيزيولوجية، والاستعداد النفسي والوجداني، ومستويات النمو المعرفي، والأنماط المعتمدة في التعلم، والاستراتيجيات المعتمدة في التعلم، ودرجات التحفز للعمل المدرسي (الرغبة والدافعية)، وعلاقات المتعلمات والمتعلمين بالمعرفة المدرسية، ناهيك عن التاريخ المدرسي للمتعلم(ة).
البيداغوجيا الفارقية:
استدعى الإقرار بوجود فوارق وتمايزات واضحة بين متعلمات ومتعلمي الفصل الواحد، العمل على تبني خيارات بيداغوجية تأخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار، ليست البيداغوجيا الفارقية إلا واحدة منها. ففلسفتها القائمة على الاعتراف بحق الاختلاف بين الأفراد، وإيمانها بإمكانات الكائن البشري التي تسمح له بالتربية، وسعيها إلى ضمان تكافؤ الفرص بالنسبة للجميع، كل ذلك – وغيره– جعل منها إطارا مرنا تكون فيه التعلمات واضحة ومتنوعة، بما يتيح لجميع المتعلمات والمتعلمين التعلم وفق مساراتهن ومساراتهم المختلفة، فما المقصود بالبيداغوجيا الفارقية؟
استخدم Louis Legrand هذا المفهوم لأول مرة سنة 1973، كمحاولة لتطبيق معطيات علم النفس الفارقي Psychologie Différentielle، وذلك من منظور علم النفس التربوي Psychopédagogie، حيث سعى إلى البحث عن آليات جديدة في التدريس تراعي الفوارق الفردية بين المتعلمين، هذا ويعرف Legrand البيداغوجيا الفارقية كالآتي: "هي تمش تربوي يستخدم مجموعة من الوسائل التعليمية- التعلمية قصد مساعدة الأطفال المختلفين في العمر والقدرات والسلوكات والمنتمين إلى فصل واحد على الوصول بطرق مختلفة إلى نفس الأهداف".
يقترح Philippe Meirieu على المدرسين أسلوبين يتفق كلاهما مع مبادئ البيداغوجيا الفارقية؛ يتمثل الأسلوب الأول في ضبط هدف واحد لمجموعة الفصل مع اتباع تمشيات مختلفة تفضي كلها إلى نفس الهدف، في حين يقتضي الثاني تشخيص الثغرات الحاصلة عند كل متعلم وضبط أهداف مختلفة تبعا للأخطاء الملاحظة.
تتمثل البيداغوجيا الفارقية حسب مراد البهلول في "وضع الطرق والأساليب الملائمة للفوارق ما بين فردية (بين الأفراد) والكفيلة بتمكين كل فرد من تملك الكفايات المشتركة (المستهدفة بالمنهج)، فهي سعي متواصل لتكييف أساليب التدخل البيداغوجي تبعا للحاجات الحقيقية للأفراد المتعلمين، هذا هو التفريق الوحيد الكفيل بمنح كل فرد أوفر حظوظ التطور والارتقاء المعرفي".
كما يمكن تعريف البيداغوجيا الفارقية بكونها مقاربة تربوية تكون فيها الأنشطة التعليمية وإيقاعاتها مبنية على أساس الفوارق والاختلافات التي قد يبرزها المتعلمون/المتعلمات في وضعية التعلم. وقد تكون هذه الفوارق معرفية أو وجدانية أو سوسيو- ثقافية؛ وبذلك فهي بيداغوجيا تشكل إطارا تربويا مرنا وقابلا للتغيير حسب خصوصيات المتعلمين والمتعلمات ومواصفاتهم.
ومن جهة أخرى، ربط البعض بين البيداغوجيا الفارقية وبيداغوجيا التمكن، "والتي تستمد منها طريقة التنظيم، وتستعمل تقنياتها، وهي لا تسعى فقط إلى تقويم منتوج التعلمات، بل تستحضر أيضا سيرورات التعلم التي يوظفها الأفراد".
والواضح من كل هذه التعاريف أن البيداغوجيا الفارقية ليست بنظرية جديدة في التربية ولا طريقة خاصة في التدريس، بل هي روح عمل تتمثل في الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المتعلمات والمتعلمين من جهة والكفايات المستهدفة في المناهج الدراسية من جهة أخرى، وهو المعنى ذاته الذي أشار إليه آخرون بالقول: "إن المدلول العام للبيداغوجيا الفارقية هو تنويع الوسائل والطرق والأوضاع التعليمية بالشكل الذي يسمح لكل متعلم(ة) بالتعلم في الظروف التي تلائم بشكل أفضل إمكاناته الفكرية وقدراته العقلية وأسلوبه الخاص في التعلم. والبيداغوجيا الفارقية بهذا المعنى بيداغوجية فردانية، تعتبر المتعلم(ة) شخصا له رغبات وميولات خاصة، وتؤمن بقدرته.على التعلم وفق وتيرته وطريقته الخاصيتين".
التفريق البيداغوجي:
التفريق البيداغوجي نهج يسعى من خلاله المدرس(ة) أو الفريق البيداغوجي إلى تنويع سيناريوهات الفعل التربوي، وتتجاوز مجالات التنويع محتويات التعلم ومضامينه، ليشمل السيرورات والبنيات البيداغوجية، وما يرتبط بكل ذلك من استراتيجيات وتقنيات ووسائل العمل.
هذا ويمكن اعتماد ثلاثة أشكال من التفريق البيداغوجي:
تفريق مسارات التعلم:
يقتضي تفريق المسارات، أن يأخذ المدرس(ة) بعين الاعتبار اختلاف وتيرة التعلم والاكتساب لدى متعلماته ومتعلميه، فيؤسس أشكال العمل التي يقترحها بمعيتهم على التنوع والمرونة والاستقلالية، فيعمد تبعا لذلك إلى اعتماد آليات متنوعة للاشتغال من قبيل التعاقد، والمشروع، والتقويم الذاتي، على أن ينطلق ذلك من التحليل المسبق والدقيق لإمكانات المتعلمين وقدراتهم.
تفريق مضامين التعلم:
تنطلق فكرة التفريق على مستوى المضامين من مبدإ مراعاة قدرات المتعلمات والمتعلمين على الاستيعاب وحاجاتهم الحقيقية من المعرفة، والتي تتفاوت بتفاوت إمكاناتهم الذهنية وميولاتهم الذاتية، على أن تفريق المضامين لا يعني تخصيص كل متعلم(ة) ببرنامج خاص، والتعامل مع المحتويات والمعارف كجزر متناثرة، بل يفضل أن توزع جماعة الفصل إلى عدة مجموعات تعمل كل واحدة منها في آن واحد على مضامين مختلفة يتم تحديدها في صيغة أهداف معرفية و/أو منهجية (مهارات) و/أو سوسيووجدانية.، على أن يتم اختيار هذه الأهداف في النواة المشتركة للأهداف المدمجة من لدن الفريق البيداغوجي أو المدرس.
تفريق البنيات البيداغوجية:
من غير الوارد الحديث عن فارقية المسارات أو المضامين، دون اعتماد تفريق جيد للبنيات البيداغوجية، فتدبير فضاء الفصل وحسن استثمار أركانه عامل أساس لنجاح العملية التربوية، فكلما تم تنظيم الفضاء بشكل يراعي حاجات المتعلمين وانتظاراتهم، كلما أتاح لهم ذلك فرص التفاعل والحركة والاستعمال الجيد لوسائل العمل المتاحة. ومن جهة أخرى، فإن التدبير المعقلن للزمن المدرسي المعتمد على صيغ مرنة ومتنوعة، من شأنه الرفع من أداء المتعلمات والمتعلمين، وتنمية قدراتهم على التركيز والاستيعاب، كل حسب مؤهلاته وإمكاناته الذاتية.
على سبيل الختم:
تبقى غاية الفارقية هي محاربة الفشل الدراسي٬ ﺇنها إستراتيجية فعالة للنجاح. فتنظيمها في وضعيات تعلمية وتقويمية ملائمة للحاجات وللصعوبات الخاصة بالمتعلمات والمتعلمين حسب مسارات (خاصة) متنوعة٬ سيسمح لهم بالوعي بقدراتهم وإمكانياتهم وتطويرها، مع تشجيع رغبتهم في التعلم، بغية التغلب على الفشل من خلال تنويع الوضعيات المماثلة، الأمر الذي سينتج عنه تعلم الاستقلالية عبر العمل المستقل والتقويم الذاتي التكويني والعمل بالمشروع الشخصي والتربوي، بالإضافة إلى تعزيز التفاعلات الفصلية بين المتعلمات والمتعلمين فيما بينهم وتحسين العلاقة بين الأستاذ(ة) والمتعلم(ة).
المراجع المعتمدة:
- وزارة التربية الوطنية، دليل تدبير الفوارق الفردية باالمدرسة المغربية، الرباط،2011.
- وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي، مطبعة... 2009، ص:29
- Françoise Raynal, Alain Rieunier, Pédagogie : dictionnaire des concepts clés, 1997 ESF éditeur, Paris, 3°édition 2001,
- Philippe Perrenoud Construire des compétences dès l’école. ESF, 1997
- ( شوقي محمد، "مقاربات بيداغوجية ـ من تفكير التعلم إلى تعلم التفكير " أفريقيا الشرق 2010 ص: 99.
- مراد بهلول، رسالة دكتوراة حول البيداغوجيا الفارقية (1995) تحت إشراف فيليب ميريو البيـداغوجيا الفـارقية
- وزارة التربية الوطنية- التدريس المتمركز حول المتعلم والمتعلمة، مبادئ وتطبيقات ص53.
- دفاتر التربية والتكوين، المجلس الأعلى للتعليم ،المقاربات البيداغوجية العدد2
- تنويع التدريس في الفصل، دليل المعلم لتحسين طرق التعليم والتعلم في مدارس الوطن العربي، مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية، بيروت، ص.ص 24-26.

مصطفى بتي


إطار تربوي

0 commentaires :

إرسال تعليق

تذكر قوله تعالى:
(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏
-----------------------------------

----------------------------------
آرائكم تسعدنا, لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامي

تصميم وتطوير عالم المهووسين