من البيداغوجيا التجريبية إلى الديداكتيك :

من الضروري أن نقيم تمييزا واضحا بين البيداغوجيا التجريبية
و الديداكتيك. فلقد اعتاد البيداغوجيون أن يستندوا في بناء فرضياتهم على نظريات سيكولوجية، و خاصة النظريات التي تهتم بالنمو العقلي أو الوجداني أو النفسي - الحركي للأطفال. و بذلك ظلت البيداغوجيا وفية، في معظم أبحاثها، لجذورها الاشتقاقية ( طفل =
(peidos و تدل على ذلك حتى الشواهد التاريخية التي أتينا على ذكرها سابقا. و إذا كنا قد تحدثنا في نفس السياق عن التفكير الديداكتيكي فقد حرصنا على استعمال لفظة تفكير réflexion ، متحاشين بذلك، الحديث عن الديداكتيك كعلم
و واضعين في عين اعتبارنا،و لو بطريقة ضمنية، أن كل اقتراح بيداغوجي، حتى و لو انطلق من تصور سيكولوجي، هو في ذات الوقت اقتراح ديداكتيكي، و أن العلاقة بينهما هي، بالضبط علاقة الجزء بالكل.


البيداغوجيا التجريبية هي إذن ديداكتيك، ينقصها جزء مهم، وهو التساؤل الإبستمولوجي حول طبيعة المعرفة، أي محتوى التعلم. إذ لا يكفي تقديم طريقة في التدريس أو في تنظيم و بناء المقررات… معتمدين في ذلك فقط على السؤال " كيف يتعلم الشخص ؟ " و لكن لابد من طرح السؤال المكمل " و ماذا يفرض تعلم المعرفة من أدوات و مناهج و وسائل؟" بل و لربما امتدت التساؤلات إلى السياق السوسيوثقافي الذي تجري فيه عملية التعلم ذاتها .
و حتى تصبح الديداكتيك علما، بالمعنى الحقيقي للكلمة كان لا بد من أن يحاول الباحثون أن يؤسسوا أبحاثهم، ليس فقط على التقليد أو النزعة الاختبارية Empirisme، و إنما على مقاربة عقلانية للأسئلة المطروحة … مقاربة معتمدة على متن من الفرضيات البيداغوجية étayés مقاربات إبستمولوجية و سيكولوجية "1.

و ربما لن يكون ذلك كافيا، لتأسيس هذا العلم الذي يحاول وضع نماذج و طرائق لتدبير النشاط العليمي- التعلمي بل لابد أن ينضاف إلى ذلك كله، حس تجريبي لفحص الفرضيات و إثبات صلاحية validité الطرائق و النماذج و التقنيات الموضوعة أو المقترحة. و لكي تكتمل الصورة على هذا النحو، كان لا بد من الانتظار إلى حدود الستينات من القرن العشرين، حتى يصل البحث الديداكتيكي إلى مستوى محترم من النضج العلمي و يتم الاعتراف به من الناحية المؤسسة الأكاديمية، و ليس في هذا القول أي اقصاء للاعمال العلمية ذات الطابع الديداكتيكي التي قام بها ممهدون من أمثال Meunann و لاي lay منذ نهاية القرن التاسع العشر، أو معاصرون من أمثال تورندايك1 و غيرهم. و لكن لابد من التأكيد هنا على النزعة التجريبية المغالية لهذه الأعمال و ما تلاها،و على اقتصارها في بناء الفرضيات الديداكتيكية المختلفة على النماذج و التصورات السيكولوجية بالدرجة الأولى .

0 commentaires :

إرسال تعليق

تذكر قوله تعالى:
(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏
-----------------------------------

----------------------------------
آرائكم تسعدنا, لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامي

تصميم وتطوير عالم المهووسين