نحو بيداغوجية مدرسية متكاملة


بدايةً، أودّ أن أشكركم على حسن الاستقبال والترحاب والضيافة التي لمستها منذ وصولي إلى فلسطين.
من خلال نشاطات الأمس، أشير إلى أنّني تعلّمت الكثير، وأتطلّع إلى تعلّم المزيد من نشاطاتكم وتجاربكم في هذا اليوم.
أحيي زملاءنا في غزّة، وأعتذر عن عدم تمكنّي من زيارتهم.
اتفق تماماً مع ما طرحته د. جاكلين في مداخلتها (محاضرتها) بالأمس. ولحسن الحظ، فإنّ محاضرتي تلي محاضرتها لأنّها تبدأ من حيث انتهت هي.
موضوع محاضرتي هو "التعليم وفق السياق الإنساني" وهو موضوع، من وجهة نظري، مفيدٌ ومثير للاهتمام.
للوهلة الأولى، يبدو أنّ التعليم محصورٌ بالسياق الإنساني فقط، لكن التمعّن قليلاً يكشف أن ذلك بعيدٌ عن الواقع.

إنها ليست كلمة ذات سياق عامّ فحسب، وبخاصّة عندما يتم تفريغها من محتواها الإنساني، كأن نفكّر في قائمة طويلة من الكلمات: الإيدز، الحرب، المجاعة، الظلم، الفقر، العولمة، العنصرية، عمالة الأطفال واستغلالهم في الدعارة، ... الخ، بل إنها ذات سياقٍ وطني تتجلّى عند التعرض لضغطٍ من قبل "جيرانٍ" أقوياء، بهدف إلغاء صفة الإنسانية، كما اختبرتموه، ولا زلتم، هنا في فلسطين.

حتى في ما يدعى بـ "العالم المتقدّم"، فإن المستقبل ما زال يحمل خطر إلغاء صفة الإنسانية عندما نواجه المستقبل، وأمامنا هدف يدعى هدفاً إنسانيّاً يتلخص في إنتاج مزيدٍ من السلع لتلبية متطلباتٍ وحاجاتٍ نصنعها ونختلقها. كما قيل: "نحن نعيش في عالمٍ فيه وسائل، لكن لا هدف له". مرةً أخرى أتشرّف بدعوتكم لي للاشتراك في هكذا مؤتمرٍ له مثل هذا الهدف.

إنّ نضالنا من أجل إيجاد سياقٍ إنسانيٍّ لنظام تعليم أطفالنا. وصراعنا من أجل جعل مناهجنا التعليمية إنسانيّة. والبيداغوجية هي إحدى الوسائل لاغتنام التاريخ، وماذا سنغير فيه، بدءاً من الأطفال الذين نتحمّل مسؤولية تنشئتهم وتعليمهم. هذا الهدف لن يستنفذ من جعل هذا الهدف هدفاً عالمياً، لكن هذا موضوع آخر.

تعرّف البيداغوجية على أنها علم وفن التعليم. وفي هذا السياق، أودّ مشاطرتكم قصّة حول نسوةٍ ايطاليات استطعن تحويل وضعٍ غير إنساني إلى آخر إنساني ملهمٍ خلاّق. إنّها قصة مدارس ريجيو اميليا في شمال إيطاليا.

من هذه القصة سأحاول أن أوضّح ما أراه تعريفاً يجسد البيداغوجية التي تم تطويرها في هذه المدارس، وأن أقترحها كبيداغوجية للتعليم في سياقٍ إنساني. لا تمثّل هذه البيداغوجية قدوةً يحتذى بها في التعليم فحسب، بل مثلاً في كيفية النضال من أجل الأهداف الإنسانية، نضالٌ عمره خمسون عاماً ما زال مستمراً حتى يومنا هذا.

تمثّل البيداغوجية، التي أقدِّم لها، نموذجاً لنوع:
المنظمّة التي نريدها ونهدف إلى بنائها، هي التي من شأنها المحافظة على جودة التعليم الإنساني.
العلاقة التي نريدها ونطمح إلى خلقها بين الأطفال والمعلمين وأولياء الأمور.

كذلك تثبت البيداغوجية المعنيّة أنّ أفضل الطرق لتعليم الأطفال (Teaching of Children) تتأتى من دراسة ما هي أفضل الطرق لتعلّم الأطفال(Children Learning) .

بشكلٍ عام، أعتقد أنّ نظريات التعلّم (Learning) تأتي دائماً قبل نظريات التعليم (Teaching). كما أعتقد أنّ الأطفال يتعلمّون بشكلٍ أفضل في سياقٍ إنساني. إنّ معنى إنسانيتنا يكمن في أن نتحمّل مسؤولية بعضنا البعض، بدءاً من الشعب الذي ننتمي إليه. إنّ التعلّم بطريقة إنسانية يعني التعلّم مع الآخرين ومن أجلهم، تعلّم بصورةٍ اجتماعية جماعية وليس بشكلٍ فرديّ. وهذا هو جوهر الطريقة التي تمّ تطويرها في مدارس ريجيو اميليا.

وعدتكم بأن أروي لكم قصّة تحويل وضعٍ لاإنسانيٍّ صعبٍ إلى وضعٍ إنسانيّ خلاّق. أعتقد أنكم ستشعرون بالانتماء لهؤلاء الناس الذين عاشوا قبل خمسين عاماً ... كيف بدأت قصتنا؟

(يعرض المحاضر فيلماً عن مدارس ريجيو اميليا)1 ......
بدأت أحداث قصّتنا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بستة أيّام، حين قامت مجموعة من النساء في قرية فيلاجالا بالقرب من مدينة ريجيو اميليا، ببناء أوّل مدرسةٍ من مالٍ جمعنه لقاء بيع دبابة وشاحنة وبعض الخيول التي تركها الجيش الألماني وراءه بعد هزيمته وانسحابه. ومن الطريف ذكره أن رجال القرية رغبوا في استخدام الأموال لبناء مسرح، بينما عارضت النسوة ذلك واقترحن بناء مدرسة، وفي النهاية كان لهن ما أردن.

سمع أحد المعلمين الشبان، يقطن في القرية المجاورة، بقصة أولئك النسوة، فأثارت حماسه واتّجه على دراجته صوب القرية لعرض خدماته عليهنّ. واصل الرجال والنساء عملهم، ليل نهار، في بناء مدرسة قريتهم. تلك المدرسة التي كانت وسيلةً لإعادة بناء وجودٍ إنساني فقدوه منذ أوائل العشرينيات وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية. كما كان سكان القريّة مصمّمين على جعل عالم أطفالهم مختلفاً عما عايشوه هم أنفسهم.

من هذه المدرسة الأولى جنى سكان القريّة أموالاً لبناء مدارس أخرى. وفي أواخر الستينيات تمّ دمج هذه المدارس لتصبح جزءاً من الجهاز التعليمي التابع للبلديّة التي تمثّل السلطة المحليّة، وأصبحت تتلقى دعماً ماديّاً منها.

في العام 1995، تمّ إنشاء مركز الترويج والدفاع عن حقوق الأطفال بهدف تبادل الخبرات، على المستويين الوطني والدولي، ودعم الأبحاث في ذات المجال. يبدو اسم المركز مثيراً للاهتمام من حيث أنّه يعنى بترويج حقوق جميع الأطفال والدفاع عنها، وليس أطفال ريجيو اميليا فقط أو مدارسهم. لاقى المركز نجاحاً كبيراً، ما زاد اهتمام العديد من الباحثين في معرفة عمله ونشاطاته. فقد كان لديهم معرض طاف العالم طيلة خمسة عشر عاماً لعرض نماذج من أعمال الأطفال. وقد رأيته شخصيّاً في انجلترا يعرض أعمالاً للأطفال بالإنجليزية والإيطالية، بينما في النرويج فالعرض بالنرويجية والايطالية، وفي تركيا بالتركية والايطالية، وفي ألمانيا بالألمانية والايطالية ... وهكذا. فعلى سبيل المثال، فالشريط الذي شاهدتموه قبل قليل كان بالانجليزية، ويمكنكم الحصول عليه بأي لغةٍ تشاؤون. لا أستطيع تخيّل كيف استطاعوا أن ينظّموا ويجنّدوا كلّ هذه الموارد في الماضي قبل تأسيس المركز. أمّا اليوم، فإنهم يحصلون على دعمٍ دوليٍ لمشاريع ونشاطات مركزهم، كما أن هناك مراكز مشابهة في عددٍ من الدول تحاول التعلّم من تجربتهم. أعلم أنّ الكثير من هذه المدارس توجد في ثقافاتٍ وظروفٍ مختلفة عن تلك التي وجدت فيها مدارس ريجيو اميليا، إلا أنه لا يزال يوجد كثير مما نستطيع أن نتعلّمه من اكتشافاتهم وإبداعاتهم.

من المثير للاهتمام أنّ هذه المدارس لم توجِد (تخلق) فقط بيداغوجية المدرسة، أي أن يستخدم جميع المدرسين وفق ذات البيداغوجية، بل قاموا بتعليم ونشر بيداغوجية مشتركة عامّة لجميع المدارس التي تديرها السلطة المحليّة في منطقتهم. تقول فرضيتي أن التعليم في سياق إنساني يحتاج إلى بيداغوجية إنسانية.

لقد قضيت معظم وقتي بفتح آفاقٍ لتعليم هذه البيداغوجية التي أوجدتها مدارس الأطفال في منطقة ريجيو اميليا التي تستقبل الأطفال من سن 3 شهور إلى 3 سنوات، بينما تستقبل المدارس الابتدائية الأطفال من سن 3 سنوات إلى 6 سنوات، تلك المدارس التي أثّرت في نظام التعليم الايطالي برمتّه. هناك حوالي 19 مدرسة (Early School) ابتدائية و13 مدرسة تديرها البلدية، وتعمل إلى جانب المدارس الحكومية والخاصّة في تقديم خدمات التعليم لما يقرب من 95% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 3 إلى 6 سنوات، و35% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 3 أشهر و3 سنوات، علماً بأنّ عدد سكان مدينة ريجيو اميليا يقارب 145 ألف نسمة، وعدد سكان المنطقة التي تحيط بهم 450 ألف نسمةٍ تقريباً. جدير بالذكر أنّ 12% من موازنة هذه المقاطعة تنفق على هذه المدارس؛ أي أنها تنفق على تعليم الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 3 شهور و6 سنوات أكثر من أيّ مقاطعةٍ أخرى.

0 commentaires :

إرسال تعليق

تذكر قوله تعالى:
(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏
-----------------------------------

----------------------------------
آرائكم تسعدنا, لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامي

تصميم وتطوير عالم المهووسين