التواصل داخل الفصل المدرسي:
تناقضاته و تأثيره على مردودية التلاميذ




من إنجاز: وعبولو علي
الأستاذ: د. لطفي الحضري













المحتويات
مقدمة: 2
1. السلطة التربوية و تصرفات الأطفال: 5
2. مجابهة الوضعيات الشائكة: 12
1.2 اخذ الكلمة و التزام الصمت: 12
2.2 العدالة التربوية: 13
3.2 المعايير اللغوية: 14
4.2 الكذب، الخداع و المكر: 15
5.2 الدخول إلى الحياة الشخصية و العائلية للتلاميذ: 16
6.2 حول الصراع السوسيو معرفي: 17
7.2 السلطة التربوية: 18
8.2 الثرثرة: 18
9.2 الخطأ، الدقة والموضوعية: 20
10.2 فعالية الزمن الديداكتيكي: 21








مقدمة:
في اعتقادي، أول عبارة تتردد إلى ذهن كل من أراد تناول موضوع التواصل أو الاتصال هي الحكمة الشهيرة: " لا يمكن أن لا نتواصل "
" on ne peut pas ne pas communiquer"
فالكل يدرك الآن بأننا نتواصل و الكل يعلم أيضا أكثر من أي وقت مضى أن:
 التواصل هو محرك أساسي و وسيلة يراهن عليها الفرد في جميع الوضعيات التيتصادفه سواء خلال المعيش اليومي أو في حياته المهنية أو من خلال علاقاتهالاجتماعية بصفة عامة.
 الكفايات التواصلية قابلة للتطوير و هي عنصر أساسي من الرأسمال الثقافيالمربح سواء داخل المدرسة أو داخل باقي المؤسسات الاجتماعية المماثلة (الأسرة، الحزب، الجمعية، النقابة...).
 تنمية الكفايات التواصلية تتأثر بالموروث الثقافي للفرد وكذا بمحيطه الاجتماعي العام.
للمزيد من التعمق في أهمية التواصل، يكفي أن نتأمل المكانة التي يحتلها فيالمجتمعات المعاصرة. هذه الأخيرة تعي جيدا أهمية وسائل الإعلام, و أهميةالتواصل في الحياة اليومية للأفراد سواء في مقرات عملهم أو في الشارع أوداخل الأسرة. ما أثار انتباهي كثيرا في هذا الصدد هو المكانة الهامة التيتحظى بها العلاقات التواصلية في الدول المتقدمة و كذا لدى الطبقاتالاجتماعية الميسورة في دولنا الثالثية. هذه الفئة من المواطنين تعطيأهمية قصوى لبعض المهن التي يعتبر فيها التواصل مبدأ أساسي؛ أذكر هنا علىسبيل المثال لا الحصر: مهنة التمريض، الطب النفسي، المساعدة الاجتماعية،إدارة المقاولات، التعليم( و هو بيت القصيد)، التنشيط، ... بالنسبة لهذهالمهن و غيرها، يعتبر التواصل خاصة اللغوي منه وسيلة لا غنى عنها لربحرهان التنافسية.
في ظل هذه التحديات، هل المدرس المغربي واع بأهمية التواصل؟ هل يحاولإغناء رصيده اللغوي بكل ما يسمع و يقرأ يوميا من خلال وسائل الإعلامالمختلفة؟ هل يتقاسم نفس التمثلات التي تعطيها الطبقات الميسورة لمهنةالتدريس و خاصة الجانب التواصلي منها؟ ما هو نوع التواصل الكفيل بضمانمردودية أحسن لتعلمات التلاميذ؟ هل هناك وسيلة مثالية للتواصل داخل الفصلالدراسي؟
إنها أسئلة كثيرة تطرح نفسها في وقت تعرف فيه مردودية التلاميذ في مدارسناتراجعا ملحوظا سواء تعلق الأمر بالخطاب التواصلي أو بالنتائج الدراسيةبصفة عامة.
للإجابة عن هذه الأسئلة بنوع من المصداقية و الإخلاص للمبادئ العلمية،يتوجب علينا إنجاز بحوث ميدانية لاستقراء آراء مختلف الفاعلينالتربويين(تلاميذ، أساتذة، آباء، مشرفين تربويين...)؛ لكننا لسنا بصددإنجاز بحث من هذا الحجم. مع ذلك، سأحاول مقاربة هذه الإشكالية نظريا، وذلك بطرحها على شكل مفارقات، إن لم نقل تناقضات تضع أمام المدرس خيارينأحلاهما مر. هذه المقاربة بنيتها انطلاقا من تجربتي الشخصية داخل القسمسواء كتلميذ أو طالب أو مدرس و استنادا إلى بعض الكتابات في هذا المجالروادها مهتمون بحقل التربية و التعليم گ: فليب بيرنو P. Perrenoud و فليبميريو P. Mérieu و جان بيير أستولفي J. P. Astolfi؛ إضافة إلى المحاضراتالتي يلقيها الدكتور لطفي الحضري خلال سنتي التكوين بمركز التوجيه والتخطيط التربوي بالرباط، دون أن ننس التذكير بما استفدناه من محاضراتالسوسيولوجي مصطفى محسن.
أن يكون للمدرس مذهب في منظومة التواصل مع تلاميذه داخل الفصل الدراسيشيء، وأن يكون قادرا على ضبط القسم و فرض الصمت لإرضاء رؤسائه شيء آخر.هذا ما سأحاول أن أبينه من خلال هذا العرض المتواضع بناء على فكرة لفليببيرنو P. Perrenoud مفادها أنه لا يوجد مذهب قار و مثالي يعتمد عليهالمدرس لتسيير جماعة القسم، بل لا يعدو الأمر أن يكون كيفية و طريقةلإنجاز المنهاج و البرنامج الدراسي بل و بصفة مختصرة طريقة لممارسة مهنةالتدريس.
إذن, كما هو واضح من هذا التقديم الموجز, يبدو أن مهنة التدريس عبارة عنممارسة ليست بالهينة كما يمكن أن يتوهم البعض بل ممارسة معقدة و محبوكةداخل نسيج من التناقضات و المفارقات العجيبة كما سيبدو لنا ذلك لاحقا، والتي لا يمكن ضبطها بصفة مطلقة.
في فقرة أولى، سأتطرق لسرد بعض الاتهامات "الباطلة" التي نطلقها، نحن معشرالمدرسين، على الأطفال الموكلة إلينا تربيتهم و تلقينهم ما تيسر منالمفاهيم.
في فقرة ثانية، سأعرض على القارئ بعض الوضعيات التي تواجه جميع المدرسين،سواء المبتدئين منهم أو المحنكين، و تضع أمامهم حلين لا ثالث لهما، الأوليقضي بقمع المتعلمين لإرضاء النظام المؤسساتي، و الثاني يقضي بإعطاء هامشواسع من الحرية للأطفال و لكنه يفتح الباب للفوضى و يكبح بالتالي عمليةالتعلم. و سأقوم بتلخيص كل وضعية (مفارقة) على شكل رهان على كل مدرس ربحهإن هو أراد الرفع من مردودية تلاميذه سواء على مستوى الخطاب التواصلي أوعلى مستوى النتائج الدراسية بصفة عامة.
في ختام هذا التقديم أشير إلى أنني أتعمد في بعض الحيان استعمال لفظ"الأطفال" عوض "التلاميذ" و ذلك للتعبير عن براءة و عفوية بعض التصرفاتالتي يصدرونها و التي من شأنها أن تقلق راحة المدرسين.
ال
1. السلطة التربوية و تصرفات الأطفال:
يعتبر التواصل داخل الفصل الدراسي محط أحكام يصدرها المدرسون يومياًٌَُ،دون مراعاة ما إذا كانت أحكامهم مجحفة في حق هؤلاء أم لا. هكذا نسمع عندانعقاد مجالس الأقسام أو المجالس التعليمية أو خلال الاستراحة أو حتى فيجلسات المقاهي، و نقرأ في الأعمدة المخصصة لتقديرات الأساتذة في الملفاتالمدرسية الخاصة بالتقويم المدرسي للتلاميذ، عبارات و تقديرات من قبيل:
 تلميذ ثرثار؛
 لا يتكلم بتاتا؛
 يريد دائما أن تكون له الكلمة الأخيرة؛
 لا يأخذ بعين الاعتبار آراء الآخرين؛
 يريد أن تكون آراؤه مقبولة مهما كلفه ذلك من ثمن؛
 لا يستطيع تركيب جملة مفيدة؛
 من الأفضل أن تفكر قبل أن تتكلم؛
 يتكلم كثيرا دون أن يستأذن لذلك؛
 متكبر على زملائه؛
 لا يستطيع الإنصات لمدة تفوق خمس رقائق؛
 خجول، لا يثق بنفسه؛
 كثير الاحترام إلى درجة الخنوع؛
 لا ينظر إلى وجه من يتحاور معه؛
 يبتدع سلوكات غريبة لشد الأنظار إليه؛
 يميل كثيرا إلى جزئيات تافهة؛
 يختلق إشاعات للنيل من سمعة زملائه؛
 يضحك كثيرا ومن دون سبب؛
 لا يفصح أبدا عن ما يخالجه؛
 لا يكف عن طرح الأسئلة خارج الموضوع؛
 تلميذ غير مؤدب؛
 يتدخل فيما لا يعنيه؛
 يتيه كثيرا و نادرا ما يركز في الموضوع؛
 لا يثق بنفسه، يخاف كثيرا؛
 يضيع الوقت بمناقشات غير مفيدة؛
 لا يستطيع تبرير مواقفه و أجوبته؛
 لا يرتاح داخل القسم، القسم في نظره سجن؛
 يطمح في الإجابة على جميع الأسئلة؛
 تلميذ مغرور؛
 لا يجرؤ على الكلام مخافة ارتكاب الأخطاء.
 .......
هذه الملاحظات التي قمت بجردها بطريقة عفوية، كلها تتمحور حول الكيفيةالتي يتواصل بها التلاميذ داخل القسم في نظر المدرسين؛ و هي في مجملها ذاتطابع قدحي، أي أن المدرس غير راض عن هذه التصرفات. بدون شك، مثل هذهالملاحظات ستساعد على كبح تصرفات الأطفال البريئة في غالبيتها و تعمق منمشاكل آخرين منهم، و تتجهم على مواقفهم و قيمهم الثقافية و الاجتماعية.لكن إذا قمنا بتحليل هذه الملاحظات تحليلا دقيقا سنخلص إلى نتيجة مفادهاأن هذه الأحكام تكشف عن خلط لدى المدرسين بين:
 الكفايات التواصلية (الدراية في الحديث، الإنصات، التبرير، البرهان...)و القيم الثقافية و الأخلاقية (كالرزانة، الحشمة، الحياء و الفطنة...)؛
 الكفايات التواصلية كهدف للتكوين (التعبير السليم مثلا) و القدرة علىالامتثال لبنود العقد الديداكتيكي contrat didactique الذي ينظم العلاقاتالتواصلية داخل الفصل (طرح أسئلة في صميم الموضوع مثلا)؛
 بين تصرف لحظي و آني (هذا التلميذ لا يتكلم) و طبيعة شخصية التلميذ (تلميذ منغلق، تلميذ انطوائي)؛
 بين العقد البيداغوجي (الاستماع، المشاركة، احترام الآخر) و العقدالديداكتيكي (الاستدلال، الإقناع، الاعتراف بالخطأ، التعبير عن الشكوك).

إدا قمنا بإصدار حكم على الطريقة التي يتواصل بها التلاميذ داخل الفصلالدراسي، فإننا بذلك نحكم على طباعهم و موروثهم الثقافي و الأخلاقي دون أنننس أننا نقوم بقتل حافزيتهم motivation. لهذا من المستحسن أن نقوم بتحليلتلك الملاحظات كل واحدة على حدة لمعرفة تلك التي تستهدف سيرورة التواصل فيشكلها أو موضوعها و تلك التي تستهدف أبعاد أخرى في شخصية الفرد.
لا يختلف اثنان في كون مراقبة و ضبط تصرفات التلاميذ داخل القسم من المهامالموكولة للمدرس أساسا، ذلك لفتح المجال لنظام ديداكتيكي يساعد على إنجاحالعملية التعليمية/ التعلمية، بل أكثر من ذلك، لتنظيم العلاقات بينالتلاميذ و مدرسيهم أو التلاميذ فيما بينهم.
ما هو المقصود إذن بضبط القسم؟
خلال الاجتماعات التمهيدية التي تنعقد عادة في بداية كل موسم دراسي، لايكف المدراء على ضرورة فرض السكون silence داخل القسم. نحن نعلم أنمسؤولية التسيير الإداري في مؤسساتنا التربوية تسند إلى "أكبرنا سنا" وهؤلاء في غالبيتهم يفتقدون للمفاهيم الأساسية في علم النفس وخاصة علم نفسالطفل و المراهق. الأستاذ الناجح في عمله- في نظر هؤلاء- هو الذي يستطيعفرض سلطته على التلاميذ و لا يجرؤ أحد منهم على القيام بأدنى حركة دوناستئذانه. و هناك أمثلة شعبية كثيرة في هذا المجال تحث المدرس على عدمالتقرب من التلميذ مخافة إفساد العلاقة "التربوية" بينهما . مثلا إذا تجرأالمدرس و فتح المجال للضحك فإنه بذلك يمهد الجو للفوضى و حركة غير مرغوبفيها تعيق استيعاب مضمون الدروس و يصعب عليه ضبط القسم من جديد خاصة إذاتعلق الأمر بالمراهقين. أستحضر هنا قول أحد المدراء: "أنا حسب تجربتي فيهذه المؤسسة، يجب على المدرس أن يخطط درسه جيدا و عندما تطأ قدمه قاعةالدرس، يلتزم تلاميذه بالصمت المطلق و يجب عليه تشغيلهم إلى آخر دقيقة منالغلاف الزمني المخصص للحصة، فإذا أتم درسه قبل خمس دقائق من انتهاء الحصةالدراسية و أخبر تلاميذه بذلك فإنه سيفتح المجال لفوضى عارمة يصعب عليهمقاومتها؛ لذا وجب عليه هيكلة درسه بدقة و بالكيفية التي سيشغلهم إلى حينسماع جرس الخروج".
هل هذه الطريقة مثالية للتدريس؟ هل الأطفال لا يحتاجون إلى هامش من الوقتللتواصل فيما بينهم؟ لا طبعا، فالكثير من المدرسين رغم تواضع تكوينهمفإنهم لا يمتثلون لتعليمات مثل هذا المدير المتوتر و المتلهف anxieux والذي يرهق نفسه بكبح سلوك طبيعي لأطفال لا يزالون لم يستوعبوا أبعاد سلوكاتهم "الطائشة". هؤلاء المدرسون مقتنعون بفكرة بسيطة مفادها أنه يكفيه بناءعلاقة شفافة، واضحة و صريحة مع المتعلمين تتميز بالثقة المتبادلة و تفهمحاجيات الأطفال للعلاقات التواصلية... مع ذلك، لو طلب من هؤلاء المدرسينالذين يثقون بأنفسهم كثيرا باستعراض ما يمكن أن يفقده عندما تختل العلاقةالتواصلية بينه وبين تلاميذه فإن جوابه لن يخلو من تخوفات من قبيل:

 الخوف من ضياع الوقت؛
 الخوف من عدم إيصال محتوى الدرس إلى التلاميذ في ظروف حسنة؛
 الخوف من فقدان السلطة و المصداقية؛
 الخوف من فقدان صورة المدرس كبطل؛
 الخوف من الانصهار داخل الوسط الطفو لي؛
 الخوف من فقدان الصواب؛
 الخوف من فقدان الكثير من الجهد و الطاقة؛
 الخوف من فقدان المروءة؛
 الخوف من الوقوع في صراع وجداني؛
 الخوف من فقدان صورته كراشد وسط خليط من المراهقين؛
 الخوف من فقدان الصرامة و الضبط و سلطة الإحكام؛
 الخوف من فقدان أوهامه التربوية؛
 الخوف من تهجمات المحيط السوسيو-تربوي؛
 الخوف من انكشاف جهله؛

طبعا هذه التخوفات لا تتمظهر في جميع المدرسين كي لا نكون مجحفين في حقهم.لكن مع ذلك فاللائحة تضم الكثير من الرهانات التي يسعى كل مدرس إلى ربحهامع العلم أن ذلك سيكلفه جهدا ليس باليسير خاصة أن ذلك سيتكرر خلال كل حصةدراسية طوال السنة بل و مع بداية كل موسم دراسي جديد.
إذا كان الهدف هو فرض النظام داخل قاعة الدرس و منع كل تدخل غير مرخص لهفإن ذلك من أسهل الأمور التي يمكن أن يقوم بها المدرس لأن سلطته التربويةتخول له ذلك و موازين القوى داخل القسم مرجح لصالحه. هنا تحضر لنا صورةرجل الأمن أو صورة حراس السجون. لكن مهمة المدرس ليست من هذا النوع،لهذافإننا نجده في وضعية غير مريحة و لا يحسد عليها:
 إن القيم الإنسانية التي يحملها تجعله يقدر جيدا قيمة حرية التعبير وتدفعه هذه القيم إلى التخلي عن أسلوب الرقابة و الجزر.
 إنه ينتظر من عمله أن يكسب الأطفال مهارات، معلومات و كفايات، هذا يتطلبطبعا مشاركة هؤلاء و تعاونهم معه و إشراكهم الفعال في بناء الدرس بعيدا عنالخنوع المطلق و الإمتثالية المفرطة.
 إن دوره التربوي يحتم عليه تنمية و تطوير الكفايات التواصلية لدىالتلاميذ؛ هذا يتناقض مع السكوت المطلق و الفوضى العارمة على حد سواء.

من هذا التحليل المبسط نستنتج أن المدرس مبتدئا كان أم محترفا يعيش دائمافي تناقض مستمر و حالة من التوازن غير المستقر équilibre instable. هذهالوضعيات غير المنسجمة هي التي سأحاول أن أناقشها في الفقرة الموالية وسأطرحها على شكل رهانات ترفع أمام المدرسين تحديات حقيقية حول كيفيةالتعايش مع هذه "الأزمات" على أمل تحقيق مردودية أحسن سواء من حيث الخطابالتواصلي أو من حيث النتائج الدراسية بصفة عامة.
2. مجابهة الوضعيات الشائكة:
الوضعيات الشائكة إن لم نقل المعقدة التي سنتناولها في هذه الفقرة تتمحور حول المفارقات التالية:
1. حول أخد الكلمة و التزام الصمت؛
2. حول العدالة التربوية؛
3. حول المعايير التربوية؛
4. حول الكذب و الخداع و المكر؛
5. حول الدخول إلى الحياة الشخصية و العائلية للتلاميذ؛
6. حول الصراع السوسيو معرفي؛
7. حول السلطة التربوية؛
8. حول الثرثرة؛
9. حول الخطأ و الدقة و الموضوعية؛
10. حول فعالية الزمن الديداكتيكي؛
أشير أن الترتيب هنا ليس له دور مهم، و مهمتي ستكمن في استكشاف مختلف أوجهالتواصل موضحا لكل حالة على حدة صعوبة وجود طريقة أمثل تضمن مردوديةدراسية أحسن. لكن مع ذلك إذا استوعبنا جيدا هذه الوضعيات سنكون اقربلاتخاذ القرار المناسب.
1.2 أخذ الكلمة و التزام الصمت:
داخل قاعة الدرس، يتفق الجميع على أن طلب الكلمة يوجه إلى المدرس باعتبارهرئيس الجلسة و ذلك لتجنب الفوضى و تنظيم النقاش. لذلك تمنع النقاشاتالهامشية و الأخذ القسري للكلمة لأنها تشوش على نظام القسم من جهة و تضعفسلطة المدرس من جهة ثانية.
من جانب آخر يقول المثل "السكوت حكمة" أو "السكوت من ذهب"؛ السكوت المقصودهنا طبعا هو حسن الإصغاء للاستفادة أكثر مما يقوله المتكلمون. بالنسبةللمدرس، عندما يحتاج إلى لحظة من الهدوء فإن تدخلات التلاميذ تزعجه؛ وعندما يحتاج لمشاركتهم لبناء الدرس فإن سكوتهم يعيق عمله. ما عليه إذن إلاأن يفرض السكون متى احتاج إليه وأن يفرض الكلام متى احتاج إلى ذلك معتحديد من سيتكلم ومتى.
بالنسبة للتلاميذ، و خاصة الصغار منهم، هذه التصرفات "المتناقضة" في نظرهمسوف تدفعهم إلى النفور من نقاش يمنع عفويتهم و يقتل روح المبادرة لديهم؛ وهذا طبعا سيضعف قدرتهم على الاستيعاب و التحصيل.
الرهان الأول: إذا استطعنا أن ننظم النقاش دون قتل عفوية التلاميذ و جلبهم لبناء الدرس فإننا سنحقق مردودية أفضل.
2.2 العدالة التربوية:
داخل الفصل الدراسي، يعتبر الكلام ليس فقط حق للمتعلمين، بل وسيلة للتعلم،للاستدلال، للتعبير عن الرأي و الشكوك و بواسطة الكلام يحاول التلميذ بناءملاحظاته و فرضيات أو براهين، لكن مع الأسف، هذه المتمنيات تصطدم بعوائقمنها:
 أن التلاميذ المجتهدين هم في الغالب الذين يستحوذون على آليات التواصلمع المدرس، هذا الأخير لا يمكن إسكاتهم دون جرح عواطفهم أو تنصيبهم ضده.
 أن هناك صنف من التلاميذ الذين ينجحون في الحصول على فرصة للحديث لايجرؤون على التكلم مخافة أن يكونوا عرضة لاستهزاء الآخرين. و كل إلحاح منجانب المدرس سيعتبرونه تعنيفا لهم إذ أن كل إلحاح على التكلم يضع الطفل فيوضعيات صعبة خاصة عندما يكونوا عرضة للسخرية أو عد م الاكتراث لما يقولون.
 أن المدرس نفسه يحتاج دائما إلى متعلمين أكفاء و متمكنين للتقدم في إنجاز درسه.
 أن تنفيذ أي مشروع جماعي طموح يحتاج إلى فاعلين (تلاميذ) مرتاحين في علاقاتهم التواصلية.
الرهان الثاني: إذا استطعنا إنصاف جميع التلاميذ دون جرح بعضهم و لا إهانةالآخرين فإننا نكون قد أدينا رسالتنا النبيلة على أحسن وجه.
3.2 المعايير اللغوية:
إن قطع الحديث لإصلاح خطأ لغوي يؤثر كثيرا على مضمون الخطاب. بالنسبة لبعضالمربين، المهم هو احترام المعايير اللغوية، هكذا فالتلاميذ متعودون علىالتدخلات المفاجئة للمدرس لتعديل خطاباتهم ( لا تقول...) مما يسبب لهمإحباطا و عدم الرغبة في مواصلة الحديث أو نسيان الفكرة التي هو في صددها.
لكن، لو افترضنا أن المدرس يترك الأخطاء تمر أمامه دون تصحيحها فإنه بدونشك سيكون محط انتقادات الآباء و المفتشين و كذلك بعض زملائه في المهنة بلو من طرف التلاميذ أيضا. ذلك أن أهم الوظائف التقليدية للمدرسة هيالمحافظة على اللغة السليمة أثناء تناول الكلمة. إذن تدخل المدرس في مثلهذه الحالات لا ينبع من صميم شخصيته بل باعتباره يقوم بدور تربوي سيعاتبإذا تساهل و تسامح في ذلك. الحل الأنجع في مثل هذه الحالات هو أن يتعرفالأستاذ على الأخطاء التي لا يجب تمريرها دون الغلو في ذلك حتى لا يؤثر فيمضمون الخطاب.
الرهان الثالث: إذا استطاع المدرس احترام المعايير اللغوية دون كبح حافزيةالتلاميذ بإسقاطهم في المسائل التافهة، فإنه سيحقق مردودية أحسن في شكل ومضمون العملية التواصلية.

4.2 الكذب، الخداع و المكر:
بدون شك، الشفافية هي من القيم النبيلة التي تسعى المدرسة لترسيخها لدىالمتعلمين، لذا فإن الكذب و البهتان و اختلاق الخدع الماكرة هي من علاماتالانحراف و الضلالة.
الكبار بشكل عام و المدرسون بشكل خاص لا يحبون أن يروا الأطفال يبتدعون حيلا أو يكتمون أسرارا لأغراض تكتيكية.
لكن إذا طلبنا من الطفل أن لا يكتم شيئا مما في جعبته فإننا ننال من استقلاليته كشخص و كإنسان.
إن دور المدرس كمتحكم في مصير التلاميذ بواسطة النقطة التي تحدد رتبتهم وسط زملائهم، يجعله في موقع الخصم أو العدو في بعض الأحيان:
 المدرس يسعى دائما إلى أن يكون محبوبا من طرف زبنائه من الأطفال والمراهقين و لا يستسيغ أن يعتبر من طرف هؤلاء كشخص غير مرغوب فيه أو أنيعامل على أساس استراتيجي.
 دور المدرس التربوي لا يشجع بشكل عام على تكوين أفراد ماكرين بل بالعكس أفراد مخلصين، صادقين، نزهاء ، بسطاء و آمنين.
الرهان الرابع: إذا استطاع المدرس أن يطور التعبير الصادق عن الأحاسيس والأفكار دون أن ينكر للتلاميذ دور التمثيل كإخفاء بعض الحقائق و تجميل بعضالأفكار فإنه سيخلق علاقات تواصلية مثالية داخل القسم.
5.2 الدخول إلى الحياة الشخصية و العائلية للتلاميذ:
في اعتقادنا أنه من مصلحة التلميذ، أن لا نتردد غالبا في الدخول إلى الفلكالشخصي و العائلي للأطفال. هكذا لا نخجل أثناء بعض النقاشات أن نطلب منالتلميذ المزيد من التوضيح: (هذا يهمنا جميعا...أتمم...) هكذا ندخل إلىوجدانه و نتهجم على أسرته دون وعي بذلك خاصة أثناء تغيباته أو عند معاينةحالة ملابسه أو نظافة بدنه أو أدواته المدرسية: (هل لا يوجد لديكم حمام؟أليس لديكم مقص للأظافر؟ أليس لديك من يراقبك؟...الخ).
لكن النظريات الحديثة في مجال التربية خلصت إلى نتيجة مفادها أنه كلمااستحضرنا الواقع المعاش داخل المدرسة كلما كان المردود الدراسي جيدا بمعنىأن الطفل يتعلم انطلاقا من الحياة الواقعية . هكذا فالحديث عن البطالة، والسكن و المخدرات والعنف و الاستهلاك يعني الكشف عن أنماط العيش، عن القيمالمجتمعية و هذا يعني أننا نكشف عن ماذا نأكل، أين نسكن و كيف نتعايش داخلالأسرة.
في هذا المجال يتلقى المدرس أسرارا أكثر مما ينتظر خاصة إذا كان من النوعالذي يحب الاستطلاع! لأن الأطفال لا يعرفون التستر عن الأسرار كما هوالشأن بالنسبة للراشدين.
الرهان الخامس: إن انفتاح المدرسة على محيطها لا يعني الدخول إلى عالمالأسر ووجدان الأطفال، إذا استطاع المدرس أن يوفق بين إشراك التلميذ دونالكشف عن أسرار أسرته فهذا مكسب مهم لإنجاح العملية التعليمية.
6.2 حول الصراع السوسيو معرفي:
رغم أن بعض المدرسين يؤمنون بوجود صراع سوسيو-معرفي فإن بعضهم لا يمر ببعضالمراحل بسهولة؛ فالجميل هو أن نحاول تجاوز بعض الصراعات بهدوء و بدونانفعال، بدون غالب و لا مغلوب. التواصل في هذا المجال له دور مهم فهويساعد على محاربة العنف، سوء النيات، الحقد و الكراهية...
لكن في بعض الحالات، نلتجئ إلى أساليب التواصل لإخفاء و كتمان هذهالصراعات و ليس لمحاربتها: " ألم تخجل؟ "، " لا يجب عليك أن تنتقد أصدقاءك"؛ " لا نقول مثل هذه الأشياء داخل القسم "... ما على المدرس إذن إلاالبحث عن أساليب مناسبة لمحاربة بعض الظواهر السلبية لكن ليس بطريقة سلبية.
الرهان السادس: إذا استطاع المدرس أن يكيف أساليب التواصل مع الصراعاتالاجتماعية بكل تناقضاتها دون أن يعرض التلاميذ لخطر الانزلاق فإن التواصلهنا سيكتسب دور الصلح الاجتماعي.
7.2 السلطة التربوية:
في حياة الإنسان، تعتبر المحادثة و النقاش شيئا ضروريا؛ داخل الدرس سيصبحهذا النقاش ضوضاء و فوضى إذا لم يخضع لمراقبة المدرس. فهو المسؤول عن كلشيء: شكل التواصل، مضمونه، مستواه، ... مثل مؤسسات أخرى كالمسجد أوالكنيسة، و الجيش و المحكمة و غيرها فالتواصل يسيره دائما فاعل مسؤول ولهسلطة على الآخرين و الذي يعتبر في نفس الوقت لاعبا و حكما. إذن هو الذييحدد قواعد اللعب. دور التلميذ في هذه الحالة ينحصر في اللعب داخل هذاالزخم من القواعد التي يفرضها المدرس. أمام هذه الوضعية نستنتج أنالعلاقات التواصلية داخل الفصل الدراسي غير متكافئة، لكن رغم ذلك فهي تعبرعن وجود سلطة مشروعة وبدونها لن يتحقق الهدف.
الرهان السابع: على المدرس أن يرسخ أساليب التواصل دون أن يضع سلطته موضعالتساؤل. عليه أيضا أن يزود تلاميذه بأدوات النقاش و المفاوضات و النقدالبناء دون أن يكون هدفا لهذا النقد. هنا يكمن دور التواصل في بناء علاقاتتربوية بين المعلم و المتعلم.
8.2 الثرثرة:
يكون التواصل جيدا و مفيدا عندما يكون منظما من طرف المدرس حول موضوع محددحيث يحدد بدقة الموضوع الذي يجب أن يدور حوله النقاش و كل كلام خارج عنهذا الإطار يعتبر ضجيجا و فوضى بل و عائق أمام النقاش المسؤول و الوظيفي.لكن التلميذ بطبيعته البشرية يحتاج الحديث و التكلم عن أشياء بعيدة عنالنشاط الرسمي المقترح من طرف المدرس، أو يميلون لنقاش ذات الموضوع لكنبطريقتهم الخاصة: بطريقة ساخرة مثلا أو استهزاءا أو للتعبير عن عدمالموافقة على اختيار ذات الموضوع... دور المدرس هنا يكمن في محاولة إرجاعالتلاميذ إلى القنوات الرسمية للتواصل. إنه إذن كالراعي الذي يسهر علىإرجاع الخرفان التائهة عن القطيع.
هذا دوره، لكن إذا أفرط في لعب هذا الدور فإنه سيحرم تلاميذه من هامش منالحرية كالضحك و الانفعال و التعبير البريء عن الأحاسيس، بعبارة أخرىسيحرمهم من الأوكسجين.
إنه لمن الضروري أن يتمتع التلاميذ بهامش من الوقت للتحدث فيما بينهم عنأحاسيسهم و الترويح عن النفس. المؤسسات السجنية تعرف جيدا دور النقاشاتالثنائية و تفريغ ما بداخل الوجدان، فإذا أراد الحراس ردع أحد السجناء فهميعزلونه عن أقرانه، و هذه الطريقة قديمة و تستعمل لزجر و إذلال السجناء والضغط عليهم نفسيا.
عندما كنت أعمل بالقسم، كنت ألاحظ أنه لما يفكر أحد التلاميذ في نكتة أو تعليق ساخر
أو انتقاد لبعض الأمور التي تدور حوله ولم تعط له الفرصة للتعبير عمايخالجه فإنه يستحيل عليه استيعاب ما يدرس أمامه. لذا كنت أفضل أن أطلب منهتفريغ وجدانه كي يخرج من الحصة مرتاحا.
الرهان الثامن: إذا استطاع المدرس أن يشرك التلاميذ في النقاش الرئيسي دونحرمانهم من النقاشات الهامشية مطلقا، و إذا استطاع أن يوازن بين المراقبةالحادة لما يقال خلال الحوارات الخاصة و الموضوع الرئيسي فإنه سيكون قدحقق توازنا يرضي نفسه كمسؤول تربوي و بين الرغبة السيكولوجية للأطفال فيالمحادثة.
9.2 الخطأ، الدقة والموضوعية:
في المؤسسة التعليمية بصفة عامة، نلقن للتلاميذ المعارف و المهاراتالمفروض أنها مشروعة و مفيدة و ذات أساس علمي، دور المدرس إذن هو منع تسربالخطأ ومحاربة التمثلات الخاطئة و تعويضها بالحقيقة العلمية أو الملائمةمع التعاليم الدينية. لكن ذلك ليس طبعا بالأمر اليسير إذا استحضرنا هناالثورة الكوبرنيكية Révolution copernicienne والشرخ الذي أحدثته فيتعاليم الكنيسة آنذاك. لكن دون أن نذهب بعيدا فالأمثلة كثيرة و متنوعةلدينا: عندما يتعلم الطفل في المدرسة بأن شرب الخمر حرام و لكن أمامالمؤسسة عينها أو في الحي الذي يسكن به توجد حانة أو ربما أحد أبويه أوكلاهما مدمنين على شربه، كيف يمكنه أن يؤمن بصحة ما يتعلمه؟ هناك ظواهركثيرة في هذا المجال كالرشوة، البغاء، الحجاب،... هذه المفارقات يسميهاالسوسيولوجي مصطفى محسن "بالتمزق الفكري".
أمام هذه الظواهر يبقى المدرس حائرا وما عليه إلا قمع التلاميذ في بعض الأحيان لفرض المعرفة المؤسساتية.
لكن لو افترضنا أن المدرس فتح المجال لمعتقدات التلاميذ وتمثلاتهم فإنهسيكون أمام عالم من الذاتية و النسبية والتي تعطي مشروعية مقنعة في بعضالأحيان لبعض الظواهر الخطيرة كالعولمة مثلا التي ليست في الحقيقة إلا"الأمركة".
الرهان التاسع: على المدرس أن يعطي أهمية لتمثلات التلاميذ دون تعريضالحقيقة للتشويه ودون الانزلاق إلى عالم النسبوية والظلامية. و عليه كذلكالتعامل مع الخطأ دون إعطائه صبغة شرعية.
10.2 فعالية الزمن الديداكتيكي:
عندما كنا صغارا كنا دائما نسمع أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، هذهالحكمة رغم بساطتها فهي ذات أهمية قصوى حين نتكلم عن الزمن الدراسي أوالزمن الديداكتيكي. فالمدرس ينظم وقته دائما ليصل إلى هدفه قبل أن يدق جرسالخروج وهذا أمر ليس بسهل خاصة مع الأطفال. لكنه يكفيه أن يتجاهل كلالتدخلات التي لا تصب في هدفه أو من شأنها أن تبعده عن الدرس و تشجيع تلكالتي تساعده على صياغة الفكرة الرئيسية لدرسه. هذه الظاهرة هي التي يسميهابروسو Brousseau مفعول طوباز "topaze effet " أي أن السؤال يضم في طياتهالجواب: عندما كنت مدرسا للرياضيات أثار انتباهي تمرين بكتاب السنة الأولىإعدادي وكنت أطلب دائما من التلاميذ إنجازه لمعرفة مدى نجاعة هذا المفعول.
نص التمرين هو:
"ارسم دائرة(C) مركزها النقطةO، ارسم قطعة طرفاها ينتميان إلى الدائرة (C) ثم ارسم واسطها.
السؤال: من أي نقطة يمر هذا الواسط؟"
بعض التلاميذ، ليس فقط الأذكياء يجيبون عن السؤال دون رسم الشكل قائلين:بما أنه لا توجد نقطة أخرى غير النقطة O في نص التمرين فإن النقطةالمطلوبة هيO.
عكسيا، أن يكون المدرس غير مضبوط أو أن يفتح جميع الأقواس و استغلال جميعالفرص المتاحة للنقاش، سيجعله في نهاية الحصة بعيدا عن الهدف المسطر لحصته.
الرهان العاشر: إذا استطاع المدرس أن يفتح المجال أمام البناء التشاركيللأفكار دون تركها تتباعد؛ و إذا حاول أن لا يضيق الخناق على أفكارالتلاميذ فإنه بدون شك سيحقق نجاعة في عمله التربوي.

0 commentaires :

إرسال تعليق

تذكر قوله تعالى:
(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏
-----------------------------------

----------------------------------
آرائكم تسعدنا, لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامي

تصميم وتطوير عالم المهووسين