في
إطار التعريف بمستجدات منظومة التربية و التكوين بالمغرب، و تحليلها و
مناقشتها، و تعميم الاطلاع عليها، و التفكير فيها، تناولنا حتى الآن
مجموعة من المبادئ و المنطلقات و المكونات، ذات العلاقة بمراجعة المناهج و
البرامج التربوية خاصة.
و هكذا، طرحنا في أوراق سابقة المقدمات
الأساسية لتلك المراجعة، و مبادئها الكبرى، و منطقها التربوي، و مداخلها
البيداغوجية...و بارتباط مع هذا المحور الأخير، تشتعل ورقة اليوم على
موضوع "التربية على الاختيار" (éducation au choix) .
لقد ورد تأكيد ملحوظ ضمني و صريح، في الميثاق الوطني للتربية و التكوين، و
في الكتاب الأبيض الصادر عن وزارة التربية الوطنية، على تكوين القدرات و
المهارات المختلفة التي تؤهل المتعلم لامتلاك كفاية "الاختيار"... و يكفي
التذكير باعتبار "التربية على الاختيار" أحد المداخل البيداغوجية لمرجعية
مناهج التربية و التكوين، إلى جانب "التربية على القيم، و تنمية و تطوير
الكفايات التربوية".
ننطلق من المعنى المعجمي للفظ "الاختيار":
يعني لفظ "اختيار" تمييز عنصر عن عنصر آخر، أو عن عناصر أخرى، و تفضيله
عنها. و مقابل ذلك يتم إبعاد ما لم يتم تفضيله. إذ يصبح فعل الاختيار
فعلين: فعل إثبات، وفعل نفي... فالاختيار إثبات للعنصر الذي يفضله المرء
تمييزا له عن غيره. و هو نفي للعناصر الأخرى، التي لم يفضلها المرء، و
التي هي دون مستوى العنصر الذي ميزه وفضله.
انطلاقا من هذا المعنى للفظ "الاختيار"، كيف نفهم المدخل البيداغوجي الذي يطلق عليه: التربية على الاختيار...؟؟
يمكن تحديد "التربية على الاختيار" كما يلي:
التربية على الاختيار هي تربية تستهدف تمرن المتعلم على ممارسة مجموعة من
العمليات، و التي يتداخل فيها ما هو عقلي- منهجي، و ما هو سلوكي- مواقفي.
كيف ذلك....؟
يتجسد ما هو عقلي-منهجي في كون التربية على الاختيار تتأسس على اكتساب
المتعلم القدرة على المقارنة وبين عنصرين، أو مجموعة من المعطيات. بل إن
التربية على الاختيار توجه المتعلم إلى استثمار مقارنته في تمييز أحد
العناصر، كي يكون هو موضوع الاختيار، و يتدخل المستوى العقلي-المنهجي، في
سيرورة التربية على الاختيار، حينما يكتسب المتعلم قدرات تفسير اختياره و
البرهنة عليه.
و يتجسد المستوى السلوكي- المواقفي، الذي يرتبط بفعل الاختيار و التربية
عليه، في النتيجة التي سينتهي إليها المتعلم بعد المقارنة و التمييز و
البرهنة، و يتعلق الأمر بالسلوك الذي سيختاره و يتبناه، و بالموقف الذي
سيميزه عن غيره، و يبرهن عليه كموقف يراه إيجابيا، و يتخذه موقفا لنفسه.
و هكذا يمكن القول: إن التربية على الاختيار هي تأهيل المتعلم لامتلاك
القدرة على التمييز، و التفسير الواعي لما يميزه عن غيره، و الارتباط به
عمليا و سلوكيا، سواء كان هذا الذي يميزه و يفسر تفضيله له، فكرة، أو
موقفا، أو سلوكا...
بفضل هذا المدخل البيداغوجي، إذن، أي التربية على الاختيار، سيتجاوز
المتعلم كونه متلقيا سلبيان ينصت إلى الدروس، و يدون المعلومات، و يحفظها،
و ينجح في الامتحانات...
بل يصبح حضوره نشيطا و إيجابيا، يتفاعل مع مختلف مكونات الوسط المدرسي، من مواد دراسية، و مدرسين، و كتعلمي،.
و يمتلك المتعلم فعل التربية على الاختيار قدرة التدخل في التواصل
التفاعلي داخل الوسط المدرسي، و خارجه بعد ذلك، تدخلا مزدوجا:
- فهو، من جهة أولى، تدخل عاقل (معرفي)، و ذلك بمقارنته بين الأفكار و
المواقف، و بتمييزه بين السلوكات و الوضعيات التي يوجد فيها، أو تكون
مفترضة...
- و هون من جهة ثانية؟ن تدخل عامل (سلوكي)، و ذلك لأنه لا يتوقف عند مستوى
المقارنة، بل سيفضل فكرة عن أخرى، أو يفضل موقفا عن آخر، و يتخذه موقفا له
نفسه، يتبناه، يتحمس إليه، يبرهن على صلاحيته نظريا و عمليا...
و بهذا المعنى، تتكامل التربية على الاختيار مع مجموعة من المكونات
الجوهرية، في التصور التربوي الموجه لمراجعة المناهج و البرامج، في
منظومتنا التربوية الجديدة...ففي التربية على الاختيار تكمن مبادئ "التعلم
الذاتي"، و تعلم الكيف بدل الكم، و بفعل التربية على الاختيار يتم ترسيخ
كفايات "حرية الرأي و التعبير"، و"استقلالية الفكر". كما تنسجم التربية
على الاختيار عضويا مع التوجه التربوي الهادف إلى تنمية الذات و الأنا،
وإلى تكوين الشخصية المواطنة، الواعية بالمسؤولية، و بالحق و الواجب، و
القادرة على الإسهام في بناء المحيط الاجتماعي و الثقافي و السياسي
بفعالية إيجابية، و على المشاركة في ما يهم الشأن المحلي و الوطني، بدءا
من قضايا تهم الوسط المدرسي، إلى قضايا تهم الوسط العائلي، إلى قضايا تهم
المجتمع عامة.
...تلك أذن، رؤية تحليلية لأحد المداخل البيداغوجية الأساسية، في بناء
المناهج و البرامج الدراسية في حقل التربية و التكوين حالي، أي مدخل
"التربية على الاختيار" و يبقى السؤال الذي يلزم طرحه هو، كيف يمكن أجرأة
هذا المدخل، أي التربية على الاختيار، ديداكتيكيا، في وضعية دروس و أنشطة،
تعليمية و تعلمية...؟؟ ذلك ما سنهتم به في أوراق لاحقة



عبد المجيد الانتصار جريدة الصباح عدد 1137 بتاريخ 4/12/2003 ص: 8


0 commentaires :

إرسال تعليق

تذكر قوله تعالى:
(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏
-----------------------------------

----------------------------------
آرائكم تسعدنا, لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامي

تصميم وتطوير عالم المهووسين